الشيخ محمد جميل حمود

103

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية

مرتبة الملائكة الرسالة ولا يمتنع اجتماعها مع الجهل في الجملة ، بخلاف الإمامة فإنّ أول رتبتها الرئاسة العامة الممتنع اجتماعها مع منقصة الجهل عقلا ونقلا . فالنبي والأئمة عليهم السّلام فوق مرتبة الحدس التي أكّد عليها المصنّف ، فهذه القوة القدسية المعبّر عنها اصطلاحا بالحدس هي للذين هم في طور الإعداد والاستعداد لنيل الفيوضات العلمية نتيجة بعض الرياضات الروحية ، فتشرق على قوابلهم أنوار اللاهوت فتجلي أثر الظلمة والجهل فتصبح النفس متنوّرة بما هبط عليها من عالم القدس والطهارة ، وهذا إنما يكون للنفوس المتوسطة لا النفوس الكاملة الواصلة التي أصبحت نفوسها مصدر الإشراق وتلألؤ الأنوار ، فالنفس النبوية والولية هي مرآة الحق تنعكس عليها صفات اللّه تعالى لتشرق على قوابل النفوس في عوالم الدهور . والإلهام الربّاني أحد طرق العلم اللدني المذكور في القرآن واعتمد عليه العرفاء . والعلم اللدني قسم من العلوم الشريفة يهبه الباري عزّ وجلّ لبعض عباده وليس فيه صنع للأسباب العادية كالحسّ والفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب ، ومن شرّف به فقد نال الحكمة وفصل الخطاب كما قصّ ذلك علينا القرآن الكريم انّ العبد الصالح النبي الخضر عليه السّلام « كما هو الأرجح » نال شيئا منه كما في قوله تعالى : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( الكهف / 66 ) ويمكن تحصيل هذا النوع من العلوم عن طريق الرياضات والمجاهدات الروحية حتى تصير القوى الحسيّة والخيالية ضعيفة ، فإذا ضعفت قويت القوة العقلية والروحية ، وأشرقت أنوار القدرة الأزليّة على جوهر العقل ، وقذف في القلب المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب فكر ، فإذا أراد سبحانه بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه والنفس الكلي المعبّر عنه ب « اللوح المحفوظ » فتظهر فيه أسرار المكنونات وينتقش فيها معاني تلك المكنونات ، فيصير المتحلّي بها حكيما ، والحكمة أثر من آثار العلم اللدني ، فما لم تبلغ النفس هذه المرتبة لا تكون حكيمة ، لأنّ الحكمة من مواهب اللّه تعالى حيث يؤتي الحكمة من يشاء يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( البقرة / 270 ) وأولو الألباب هم الواصلون إلى مرتبة العلم اللدني المستغنون عن التحصيل وتعب العلم ، فيتعلّمون